القصة

لحظة

أميمة الفردان

عندما سمعت صوتها عبر الهاتف؛ لا اعلم مالذي حدث لي. فجأة وجدتني عاجزة عن قول شيء، لأول مرة تخونني لغة الكلام التي اتقنها، ولأول مرة أشعر بالخيانة! خانتني كل الفصاحة وبلاغتي  في الحديث،

لا ادري هل كان الموقف اكبر من الكلمات، أم ان الحزن الذي يبدأ كبيراً؛ يلقي بظلال سحبه الركامية؛ على كل شيء، فتخرس الألسن، وتمسح أمطاره السوداء مفردات معاجم اللغة. في لحظة واحدة تبدو الدنيا الواسعة ضئيلة، والأشياء! كل الأشياء منزوعة القيمة وعديمة الجدوى!

عندما بدأ صوتها يتهدج بالبكاء، وهي تقول: لقد مات خالي! فقدت كل قدرتي على النطق، لم اعرف حينها كيف أرد أو ماذا أقول؟! اعلم كم هو جارح ومؤلم ذلك الشعور! ليس الفقد في حد ذاته؟ بل الشخص المفقود، أحيانا نفقد كثيرين ولا نبكي؛ الا بضع دمعات! تتحدر على وجوهنا دون ان نشعر أو أننا نشعر!،

وربما كان بكاءنا حينها على أنفسنا اكثر؛ من كونه بكاء على الشخص المفقود؛ الا ان الأكثر إيلاما هو ذلك البكاء، وتلك الحشرجة في صدرونا؛ التي تظل في مكانها وكأنها غرس من شوك. يقطع أعمارنا بين حين وآخر؛ ليذكرنا بمن فقدناهم

 أولئك الذين تركوا البصمات وربما الندوب في أرواحنا، وذهبوا! دون ان يتيحوا لنا فرصة الحديث إليهم. كل ارثهم في حياتنا. لم يتجاوز مواقف يومية صغيرة، تتخللها ضحكات ضاجة بالحياة، وابتسامات على شفاهٍ، لونتها مرارة الأوقات الصعبة، وبضع أغنيات. أثارت في دواخلنا شجناً.

كانت وستظل طاقة أمل مدفونة، نستعيد بها أنفاسنا؛ لنكمل مشوار هذه الحياة.لا اعرف “علي”، كل ما اعرفه عنه هو ما أخبرتني إياه في تلك الأمسية؛ التي قضيناها سوياً، بعد طول غياب بسبب انشغالات عمل وسفر.

يومها حكت لي عنه ونحن في طريقنا إلى بيتي ، لم تقل الكثير، الا ان كلمات قليلة كانت كافية، لتصف انساناً يحمل بين جنباته قلباً كبيراً وروحاً شفافة، تهوى كل ماله علاقة بالفن والحب والحياة!، لم يتآلف مع كثيرين فقط لأنه كحال القلة من أمثاله، عاش الحياة وهو يعلم يقيناً أنه لن يأخذ أكثر مما يجب؛ لذلك اقسم على نفسه أنها لا تستحق العناء! فعمل بأصولها وترك الفروع لمن يهواها

لحظات صمت مرت وكأنها دهرٌ بأكمله، حشرجات صوتها، وألم بكائها، تسيّدت الموقف، لم يقطعها سوى احتجاجها على هذا الموت الذي اختطفه فجأة، لم تكن تتوقع موته، عندما عزمت على زيارته، خلال الأيام الماضية، إلا أن المرض مبرر الزيارة الوحيد؛ لم يكن كافياً لها. لتلتقيه بعد خمسة أعوام.، فكّرت في الطريق متأملة. كيف سيكون اللقاء؟ ماذا ستقول له؟ هل بإمكانها النظر اليه؟

من المؤكد لن تراه بأعين الآخرين؟ لن تنظر اليه بعين الشفقة؛ دائما ما كانت تراه بشكل مختلف؛ بالرغم من الضعف الذي كان بادياً عليه، قبل ان يلعب القدر لعبته، ويأخذ علي في طريقه، حتى دون ان يتيح لها فرصة تقديم مبرراً آخر للزيارة غير المرض.

كانت رحلة الذهاب للمهرجان المسرحي بأدنبرة سبباً وجيهاً للقاء مؤجل عمره خمسة أعوام، لذلك لم يكن كافياً ان يمرض علي بمرضه العضال لتزوره، كان غباءً كما وصفته وهي تبكي “ايش هادا الغباء؟؟؟؟، كنت ناوية أزوره.

 ايش أقول؟ بعد خمسة سنين!!! أروح عشان أقول أزمة وتعدي؟؟!!!”.

فعلاً! هو ضربٌ من الغباء اقرب إلى الجنون. أن تكذب على محتضر لديه يقين الراحلين؛ بدعوى المواساة!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.