القصة

هاروت – الجزء الثاني

نزار الجفري

تعود دائما بي الذكريات إلى ايام الاختبارات النهائية للمرحلة الثانوية إذ هي البوابة لعبور حياة الشباب والحرية المطلقة.. أتذكر انني لم اتكبد عناء التقديم بالجامعة؛ حيث قام والدي بإعطائي الكثير من المال وقال لي: سافر ورفّه عن نفسك ساقوم بالمهمة بدلا عنك ؟! هل تعلمون ماذا يعني ذلك لشاب لم يتجاوز السابعة عشر من عمره ؟ أترك لكم الخيال؛ وربما لن تتخيلوا  معشار تلك الحياة التي عشتها في تلك الأيام ..

بعد عودتي من السفر، وجدت نفسي بأحد الاقسام العلمية، وليست كلية الهندسة والتي لم أكن اعرف أساساً لماذا كنت ارغب في دراستها؟! .. اتوقع ان رغبات جيل الثمانينات كانت تنحصر بين طبيب ومهندس وكابتن طائرة!! في الجامعة ولدت أمبراطوريتي الجديدة من الأصدقاء، والمختارة بعناية بمواصفات عالية. كانت إمبراطوريتي تهتم بتحقيق كل ما يجلب المتعة؛ السهر والرحلات البحرية والبرية، أمّا مايخص العلم والتعليم فلم اكن انوي إدراجه في دستورنا، ولكننا فعلنا مرغمين قبل سقوط تلك الامبراطورية..

مواصفات اي امبراطور انذاك كانت تنحصر في القدرة المالية اولا التي تعكس الحرية المطلقة في التصرف دون الحاجة للرجوع إلى الوالدين؛ ثم تأتي العلاقات الإجتماعية التي تُظهرها كثرة المعارف؛ خصوصاً تلك الموهوبة  في العزف والقراءة المفرطة للكتب والروايات وكذلك العاب خفة اليد وسلاطة اللسان .. وبالتالي ازداد عدد الأفراد والتابعين لنا تحت شعار المصالح والفرص، وكنت اظن أن مايجمعني بهم هو المحبة الغير مقيدة بشيء..عشنا حياتنا طولاً وعرضاً لم نترك طريق او بحر او سوق او مطعم؛ إلا وكان يحمل الختم الخاص بامبراطوريتنا، أما اليوم فلايحضرني سوى المقولة النكدة (إذا رايت الشيب قد لاح في رأسك فأعلم أن الامنيات قد لبست اكفانها) !!

أقترحت على سيف ذات مرة؛ أن يجمع المحاربين والمؤسسين القدماء، لعلهم يجددون بعضا مما اتلفه الدهر.. ضحك وقال: “لازلت تعيش في الماضي الناس والدنيا قد تغيرت ولم يعد أحد كسابق عهده” .. اصريت أن يفعل لعلنا نُعيد تأسيس تلك الامبراطورية… قال: ساجتهد، ولكني اخبرتك مسبقا بالنتيجة..

بحكم عمل سيف وعلاقاته ومعارفه، استطاع الحصول على ارقام هواتف الغالبية منهم، وحددنا يوماً للقاء.  وكان الاختيار أن تنعقد أولى جمعاتنا في منزل صديقنا بسّام وأظنها كانت الجمعة الاخيرة ايضاً.. كان بسام صاحب اكبر رقم في عالم العلاقات الغرامية، وهو اكثر من يُجيد التعارف لوسامته وعذوبة منطقه ثم ثراءه، واتذكر جيداً كيف هرب يوم كتابة عقد نكاحه من القاعة؛ حيث أنّ والده اصرّ على زواجه وهو لازال يدرس في الجامعة تفاديا للمشاكل التي كان يجلبها بشكل مستمر للبيت بسبب تلك العلاقات ..

جلست اتامل الحاضرين جيداً، وكيف بدت عليهم علامات التقدم في السن، تجاعيد الوجه واشتعال الشيب في رؤسهم؛ فضلا عن كروشهم التي تدلت امامهم مما يعني أن الزمن قد أفترسهم بعد أن تقدم بهم .. كان هادي الأقل حظاً فينا من الناحية المالية والاجتماعية؛ وكنت المح في عينيه في تلك الأيام نظرة الحقد الطبقي؛ لأننا كنا نمتلك السيارات والجوالات وعائلاتنا ذات مكانة اجتماعية كبيرة بعكسه.. أمّا عامر كان اكثرنا لطفا وأسوأنا نفسياً؛ كان يعاني من عقد وتراكمات نتيجة تسلط والده الشديد ومحاصرته المستمرة له،

أمّا محمود كان زعيم حارة بمعنى الكلمة و يشكل قوة لايُستهان بها في أمبراطوريتنا؛ كونه لايمتلك قلباً! ويعرف خفايا عالم الاجرام؛ ويخفي كل ذلك تحت لباس الطالب الجامعي؛ ورغم ذلك كان الأبرّ بوالديه، يدرس ويعمل حتى يتمكن من سد حاجياتهم وكذلك مصاريف اخوانه واخواته الدراسية ..

اليوم بعد مرور 20 سنة من تخرجنا من الجامعة؛ كانت المفاجاة الكبرى! رأيت هادي وعليه ملامح الثراء الظاهرة في قوة كلامه؛ الذي لاتنقطع منه عبارة أشتريت وأمتلكت وسافرت ..الخ. .. واستوقفته مازحا:  أخيرا ياهادي عرفت شكل الطيارة، وأطلق الجميع ضحكاتهم،  بينما رمقني هو بنظرة لاتختلف عن تلك النظرة القديمة التي عرفتها من 20سنة .. تدخل عامر وقال: “لابد ان ننظم رحلة بحرية بالبوت الدنيا تغيرت كثيراً”؛ وأضاف بخباثة “والصيد اليوم اسهل وأجمل من السابق” ..

وهنا لمعت عيون بسّام الذي لازال مهووساً بالجنس الاخر، رغم أنّ عدد زواجاته فاق عدد شعر رأسه وفجأة  قاطعنا محمود بعبارة: استغفر الله يا أخوان !! لم أكن اصدق نفسي ونظرت إليه بإستغراب شديد وتهكم وقلت:  “مبروك يامحمود أول مرة اسمع منك استغفارا واحدا يا اخي المسلم”؟!

قال: أنا الحمد لله اصلي وأخاف الله، وسخر لي ربي من الرفاق من أعانني على ذلك.  قلت له محمود:  .. نسينا؟! وهنا تحولت الجلسة لحلبة ملاكمة بين الكل، بعد أن قرع محمود جرس البدء، وبدأنا تقاذف الاراء حول التحزبات والايديولوجيات، وأحسست أني لا أعرف أصحابي للمرة الاولى، وكذلك شعرت بغربة في وسطهم بعد أن كنا متشابهين جدا في الصغر ربما تغيرنا جميعا لكنني لا أعلم..

آثرت الجلوس بجانب ولد بسّام من زوجته الثانية؛ بينما كانت حلبة الملاكمة الفكرية تشتعل.. كان ولدا ًغريبا بعض الشيء، صاحب وجه متجهم بدين الجسم بالكاد يستطيع أن يراني بسبب كبر خدوده،

وكان يتمتم بكلام غريب مع نفسه حتى التفت اليّ وقال: هل تعرف القائد موسى بن نصير؟

قلت: نعم! رضي الله عنه صاحب الفتوحات والغزوات

 قال: فتوحات والدي وغزواته ببلاد المغرب أكثر منه!

وماكان مني الا أن سقطت من كثرة الضحك، واطلقت تلك الضحكات العالية التي بدت وكأنها كانت مسجونة في داخلي لسنوات، وهنا سكت الجميع والتفتوا نحوي قائلين: أنت بخير؟ قلت والدموع تنهمر من عيني من شدة الضحك: “لاشيء؛ عن اذنكم تذكرت موعد هام جدا واعدكم بلقاء آخر قريبا..

خرجت وانا اكتم ضحكاتي وكانت تلك اول ليلة غير روتينية من 20 سنة.. كنت لااعلم حقيقةً أين اذهب، ولكن فضلت أن اتوجه إلى البحر وأخذ كوبا من القهوة وأستمتع بالجلوس على الشاطيء، واسترجاع شريط حياتي الذي شارف على الانتهاء. أخذت كما هي عادتي في رمي الحجارة، في مياه البحر العميقة، معتبراً كل حجر بمثابة هم وحزن قديم، وما أكثر ما أستودعت في البحر من أحجار..

أشعلت سيجارتي وبدأت في نفث دخانها صعودا وهبوطا، متذكرا قول لوينستون تشرشل من يقرأ عن أضرار التدخين لابد وأن يعتزل القراءة.. لطالما أعتبرت سيجارتي خير صديق لي بعد سنوات التخرج، تحترق من أجل سعادتي ولاتبخل بمنحي المزيد من الاسترخاء، ولكن هذه المرة!

 كل ما انفثه من دخان ظل واقفا في الهواء! تعجبت واخذت انفخ المزيد والمزيد من الدخان وظل ايضا واقفا دون أن تحركه نسمة هواء، وأخذ يتجمع ويتكتل، حتى انعدمت الرؤيا أمامي؛ وكأني عالق في أحد الغيوم التي نشاهدها من نافذة الطائرة ..

ومن بين غيوم الدخان ودون سابق أنذار، اقترب مني شيئاً فشيئاً حتى صار أمامي تماما.. شخص غريب أطلق ضحكة عجيبة وكأنه يعرفني لدرجة أني ظننت للوهلة الاولى أني ضايقته بسبب التدخين، وماكان منه الا أن فاجأني قائلا : نادر والله أشتقت لك؟

يتبع ،،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.