القصة

هاروت – الجزء الثالث

نزار الجفري

تعجبت من معرفته بي ثم تابع يقول: انت لاتعرفني ولكني أعرفك من زمان! ..

اسمح لي أن أعرفك بنفسي أنا هاروت..

قلت له ضاحكاً: اهلاً وسهلاً بالعالم الاخر؛ أنا بين يديك!… ضحك على ضحكتي  فقاطعته قائلاً: أين ماروت عنك؟

أجابني بقوله: خلافات عائلية.

 قلت له: حتى أنتم معشر الجن؛ أصابكم مااصابنا من خلافات! .. استرسلت في كلامي وباشرته بالقول: أريد أن اسألك أيضاً: هل أنتم جنّ فعلاً؟  أم ملائكة أم بشر؟؟ لقد تعددت فيكم الروايات؟

قال بثقة وهو ينظر إليّ: دعك من كل هذا.. أنا هنا لأقدم لك خدمة العمر؟!

سألته: لماذا؟ و هل طلبت منك أي خدمات في الاساس؟ أو قمت بأستحضارك اصلاً؟؟

أجابني قائلاً: جميع العوالم تتحدث عنك؛ وعن المفارقة بين ماضيك العظيم، وحاضرك البائس! ونريد أن نقدم لك فرصة العمر..

قلت: وماهي هذه الفرصة؟

قال: اُعيدك بالزمن للمكان والتاريخ الذي ترى أنه كان مفترق حياتك.

أجبته ثم ماذا؟ قال تكمل حياتك من ذلك المنعطف، وتنسى هذا الحاضر البشع.

قلت: وأن رفضت؟

 قال: تكمل حياتك وايامك المتبقية كأي عابر سبيل ثم تموت..

وقع كلامه في نفسي، ودارت أسئلة في عقلي هل هذا حلم ؟؟أم أنني مت فعلاً؟ وكيف أعود بالزمن؟؟  وإن عدت ماذا أختار؟؟ طلبت منه أن يمهلني لأفكر،

رد عليً قائلاً: يوم واحد فقط وأعود هنا لألقاك .. ولكن!  اريد ك أن تعلم هناك شرط بسيط  أن لم تعجبك الحياة الجديدة فلن تعود لهذا الحاضر ابداً..

سألته: وإن لم تعجبني الحياة، كيف اغادرها؟

هنا ابتسم هاروت وقال بهدوء: الامر بسيط تنتحر ..

قلت له: لابد وأنك تمزح!

قال: هذا شرطي الوحيد والمهلة قد بدأت فعليا ً، الى اللقاء يانادر..

تلاشى هاروت في ثوان وأيقنت أن كل مادار بيننا حقيقة وأن الموضوع لايحتمل المزاح ..عدت للبيت ورأسي يكاد ينفجر من التفكير..

دخلت شقتي التي اهرب منها دائماً؛ لأناه تشبه محلات البلاستيك والخردوات، من سوء تنظيمها وكثرة روادها من الجيران واطفالهم .. عادت بي الذاكرة لقصر والدي، ونظافته ورحابة غرفه، تلك الأيام التي هي اليوم بمثابة أجمل ايام حياتي..

هرعت مسرعا لغرفتي وقمت بدس رأسي؛ بين وسادتي، أريد أن أخلو بنفسي لثواني، وفجاة احسست بمن امسك بيدي، وفزعت وصرخت هاروت؟! لم تكن تلك الا يد زوجتي التي تعجبت من ردة فعلي

 وبادرتني بالقول: اي هاروت وأي ماروت؟! احببت أن اخبرك بأن جاراتي في الصالون، انتبه أن تخرج من الغرفة؛ وإذا سمحت أطلب لنا عشاء مختلف عن ليلة أمس .. أم خالد تقول أن هناك مطعم بيتزا جديد، نريد تجربته بدلاً عن مطعم البرجر والبروست الذي ازعجتنا به!

غادرت زوجتي الغرفة وأنا اتمتم “بيتزا برجر!! كل يوم مصروفات .. كل يوم ضيوف؟؟ أي نوع من الزوجات هذه؟؟ كتلة من الشحوم والأمراض المزمنة تتحرك في المنزل؟! لاتعرف في حياتها سوى الأكل واعمال المنزل والجارات!! ..

في تلك اللحظة تمنيت لو لم ارتبط بها من الاساس .. فعلياً كل حياتي اخذت منحى اخر عندما تركنا أنا وهيام بعضنا .. ليتني تمسكت بها وكان يكفيني منها نظرة تعيد لي إشراق حياتي”..

فجأةً تنبهت لما أقول ..نعم!!  لقد توقف بي الزمن عنما تركت هيام ؛ ولربما كنت اليوم اعيش أجمل أيام حياتي.. لن انتظر حتى الغد لأقابل هاروت، سألتقيه الان ..

خرجت مسرعا و على طول الطريق وانا لا ارى أمامي غير صورة هيام، بشعرها القصير الاسود وجسمها النحيل وعيناها الواسعتين وضحكاتها وذكريات تسعينيات الماضي الجميل..

لن أعود لأدوية الضغط وطلبات البقالة والجيران والاطفال؛ حتى أن هيام لم تكن تحب الاطفال مثلي، وسنكون سعيدين اذا لغينا فكرة الانجاب اصلاً وأستبدلناها بالمزيد من الحب والقبلات والموسيقى..

وصلت لنفس المكان الذي التقيت فيه هاروت، وبدأت انادي بأعلى صوتي: ياهاروت .. ياهاروت .. أين أنت أرجوك؟؟ وماهي الا لحظات وظهرهاروت وهو يضحك ويقول: ثلاث ساعات فقط يا نادر.. أنت مستعجل جداً .. خذ وقتك.. ..   

قلت له: خذ وقتي هذا وأعطيني فرصتي، لا اريد أن أموت مرة أخرى..

 قال: وشرطنا الصغير؟

اجبته: لن أحتاجه فقد حُسم الامر.. قال هاروت: حسناً .. أغمض عينيك وعُد بذاكرتك لتلك اللحظة التي تريد أن تبدأ بها حياتك الجديدة؛ وإذا رايتها قل الان ياهاروت الان .. أغمضت عينيّ وأنا أغوص في الماضي، وأعبر عوالم مظلمة من سنوات المرض والاهمال والاكتئاب؛ حتى لاح لي ضوء صغير بجانبه باب كتب عليه 1994م.  

يتبع ،،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.