القصة

هاروت – الجزء الرابع

             

                     

نزار الجفري

دخلت منه فوجدت نفسي امام الشاليه الخاص بالعائلة؛ في أحد أهم المنتجعات المعروفة انذاك وتذكرت المكان جيداً ورأيت إنعكاس وجهي على نافذة أحد الشاليهات التي كانت جميع أبوابها ونوافذها مصنوعة من زجاج عاكس في تلك الايام؛ حتى لايهتك الناس خصوصية بعضهم بالنظر، تذكرت كيف كنّا نقف امام تلك النوافذ ونحن اطفال نلعب وهم يضحكون علينا من الداخل ظنا مناّ أنّ لا أحد يرانا.

رأيت نفسي على النافذة شابا في العشرين من عمره، جميل الجسم والشكل ممتلئى الصحة لا أثر للشيب او التجاعيد على وجهي، وأخذتني قدماي الى الشاطيء حتى غاصت في رماله، وقفت وكل أبناء المنتجع كعادتنا؛ نرقب الغروب ودخول الشمس في الماء، ونستلهم من خيوط اشعتها التي بدأت في التلاشي أجمل ألاحاسيس ..كان منظراً جميل؛ اما اليوم من النادرأن يلاحظه لقسوة الحياة وتسارع وتيرتها.. هناك وقفت حورية البحرهيام بكامل اناقتها تنتظر غروب الشمس ايضاً وهنا ناديت في أعماقي الان ياهاروت الان..

هيام لم تكن باهرة الجمال فقط؛ بل كانت لها ابتسامة تملأ الدنيا فرحاً حاولت التقرب منها وتصنع الحركات الكوميدية لعلي أحظى بأبتسامة منها .. كانت ذكية ومرحة لاتمل من اللعب وخصوصا عند الشاطيء، ولديها قبول على  كسب قلوب الجميع سكان الشاليهات؛ بما فيهم الاباء والامهات، احبها الجميع وادخلوها بيوتهم للسهر معهم، كانت “دلوعة” بفطرتها وكل طلباتها مجابة كونها آخر العنقود في ترتيب أسرتها..

اقتربت منها.. ترددت في الكلام معها خصوصاً أن الجميع يعرف بعضهم البعض بشكل كبير.. ولكني تجرأت وقلت لها: مرحبا، كيف تري البحر اليوم؟

ردت بسخرية: كيف؟؟ وضحكت  ..

وهنا اقتنصت الفرصة وأجبتها: سؤال غبي فعلاً، أليس كذلك؟

قالت: جداً جداً ..

قدمت نفسي لها، واخبرتها أنني هنا لرؤية الغروب ولكني نسيته بمجرد رؤيتها.

ردت قائلة: وااو..  جداً رومانسي، وعادت للضحك بسخرية ..

هبام لم تكن إبداً رومانسية ولم تستهويها قصص الحب والعشق، مثل غيرها من  الفتيات، وكنت أعلم يقيناً أن وراء ذلك سبب ولكن لم يكن عندي الفضول للبحث عنه.. اعتدت في تلك الأيام  أن أحمل الالعاب النارية معي، والتي كانت تعطيني شعور ركوب السيارة البنتلي في أحد أزقة المدينة القديمة! كانت الألعاب النارية فخاً ننصبه لإستدراج الفتيات للتودد لهم ومصادقتهم؛ وفعلا كان لها وقع السحر على هيام ..بمجرد أن رأتها لمعت عيناها

وصاحت كالاطفال: أنا الأول.. أنا الأول.. ارجوك ..

الحقيقة إلحاح هيام لايمكن مقاومته! اعطيتها كل المخزون الحربي الذي كان معي وقضت عليه في دقائق؛ هذه الحادثة كانت ضمانتي التي قطعت بها شوطا لابأس به في الطريق لقلبها.. فجاة رن هاتفها وصاحت: بابا؟!

همست لي: اعتذر منك .. وغادرتني وغادر كلي معها..

ما أجمل تلك الفتاة بكل أحوالها وتمنيت وقتها أن أكون بقربها دائما..

انتبهت لهاتفي الذي كتمت جرس تنبيهه؛ لأني احب سماع صوت البحر ممزوجاً بصوت هيام،  وجدت عشرات المكالمات الفائتة؛ لصديقي عمران وبمجرد سماعه صوتي أنهال عليا بالسباب كعادته؛ لأني وعدته بتسهيل دخوله للشاليهات وهو ينتظرني من اكثر من ساعة عند البوابة.

  عمران كان شاب ثري ووسيم ويتمتع بجسم رياضي؛ لكن شخصيته تكاد تتلاشى بجانب والده لأنه من أعيان البلد؛ وذلك يجعله يحسب حساب كل خطوة؛ اعتدنا على فكرة أن يقدم نفسه بأسماء مستعارة، وأعمارمختلفة؛ كذلك المدينة التي يقطن بها..

انتهى مشهد غروب الشمس العظيم، وبدأ الجميع في الاستعداد لمغادرة المكان، خرجت وقلبي يكاد يطير فرحاً وهو يحتضن رقم الهاتف الخاص بهيام؛ وعقلي لاتفارقه تفاصيل لقائنا الأول، وبينما أنا سارح في عالمي الوردي؛ واذا بي اتلقى صفعة على راسي من عمران الذي صاح: ما تسمع؟! ماذا سنأكل الان؟؟ ولم أعرف بماذا أجيبه؟؟

 فانا أشعر بالشبع بسبب الشعور الذي يملأني تجاه هيام ولا اريد شيئاَ! .. . سألت نفسي: هل هذا هو الحب من أول نظرة ؟…لا أعلم

وبينما نحن في طريقنا الى اللا مكان واللا زمان بالنسبة لعاشق! رن هاتفي وظهر رقم هيام، الذي حفظته عن ظهر قلب؛ لكنني لم اتمكن من الرد بسبب وجود عمران بجانبي، شعرت حينها بألم يقطع صدري، وصاح عمران: لماذا تتجاهل الهاتف؟ أخبرته بأن المتصل هو الوالد وسيعكر علينا الليلة،  “سوف احادثه فيما بعد..”.

لم اجرؤ على تلقي اتصال هيام أمام عمران؛ لخوفي من أن أصبح وقصة حبي لهيام محل للتندر في مجالس الشباب بسبب سخرية عمران اللاذعة كونه لا يؤمن إلا بالجنس فقط!.. ثلاث اتصالات متتالية من هيام، وأنا احاول طرد فكرة أني سأفقدها اذا استمر تجاهلي لكل هذه الإتصالات؛ خصوصاً لو أنها فكرت في أنني أتصنع الثقل عليها!  

ما أن عدت الى البيت حتى أغلقت الأبواب، وخلوت بهاتفي كما فعلت امرأة عزيز مصر بسيدنا يوسف، اتصلت عليها دون أن أدرك بأن الوقت قد تأخر فعلاً، وكنت أخشى الاّ تجيب على اتصالي؟؟

ولكنها ردت بصوت شقي: خيريا استاذ نادر!.. حركات التصنع والثقل هذه قديمة جداً!!

قدمت لها اعتذاري، وأخبرتها بأنني لم اتعمد أو اقصد تجاهل اتصالاتها..

ضحكت وقالت: التقط أنفاسك ستموت.

كانت أول مكالمة بيننا؛ بدأت في تمام الساعة الواحدة فجراً وأنتهت في التاسعة صباحاً لا اذكر من تلك المكالمة سوى؛ أنني كنت أحلق في سماء غير سمائنا، تحملني  ضحكات هيام وحكاياتها، لم اكن أريد ان تنتهي تلك المكالمة الهاتفية؛ لكن النوم غلب هيام .. ودعتها وتمنيت لها نوماً هانئاً.. وكلي أشتياق لمكالمة اخرى ومعراج روحاني جديد برفقتها..

أردت النوم ولكني لم أستطع، فقد كنت أشعر بطاقة حب تُنير مدينة طوكيو بأكملها.. جلست استرجع حديث تلك المكالمة، وأتأمل قصة حياتها وتعثرها الدراسي وانشغالها المستمر بمتابعة المجلات وحياة الفنانين والموضة وعشقها الأبدي للبحر والجلوس امامه..

أستمرت مكالماتنا الهاتفية في الليل،  وبدأت تدخل في بعض الحوارات كلمات الغزل والإعجاب ثم التلميح حتى؛ امتلأ قلبي عشقاً وحناناً، وشعرت بأن الوقت قد حان لأبوح لهيام بمشاعري، لم اتردد ثانية.. وانتظرت وهي تقص عليّ قصة صديقتها التي سافرت لمواصلة تعليمها بالولايات المتحدة؛ وخلال إسهابها في الكلام

 همست بصوت يعتريه بعض الخوف والتردد: (أحبك)

واصلت كلامها ولم اكن ادري هل استمعت إليّ جيداً.. كررت الكلمة بصوت أعلى مرة ثانية..

سكتت..وقالت: عفواً؟؟  تتكلم بجد أم ماذا؟

قلت لها: نعم.. أنا جاد في كلامي ومشاعري تجاهك صادقة.. وقد أخذ التفكير كل وقتي.. واريدك بجانبي فيما بقي لي من الوقت على هذا الكوكب..

قالت: سأرد عليك لاحقاً

 وأغلقت الهاتف…

يتبع،،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.