القصة

هاروت – الجزء الخامس

                 

                        

نزار الجفري

تعجبت من ردة فعلها ! ..
كنت اعتقد أنّ لهذه الكلمة مفعول السحر على الفتيات؛ ورفعت سقف توقعاتي عالياً فيما يخص ردة فعل هيام لكن!!
“ربما كانت هيام مختلفة ولاتشبه احد.. نعم هي مختلفة لاتشبه أحد”.
بعد يوم رهيب من الإنتظار الطويل؛ لرد هيام على عشرات الاتصالات مني؛ بدون أن اتلقى أي رد؛ فاجأتني بإتصال سريع قالت فيه جملة واحدة “إذا كنت صادق فيما قلت؛ فأنا جاهزة للارتباط بشكل رسمي وفوراً”، لم افكر و قلت لها “هذا جلّ ما اتمناه”.


ذهبت إلى والدتي لأخبرها بالقصة، واستعين بها لتمهد للموضوع عند والدي؛ الذي كان شديداً ولايؤمن بقصص الحب والعلاقات بين الشباب .. فرحت والدتي أول الامر لكن مالبثت أن قالت لي: ولكنك لا زلت طالب تدرس في الجامعة من سيقبل بك ؟ قلت لها بدون أن أفكر: يكفيني الآن الخطبة وبعدها نتدبر أمورنا..
أخذت أمي وقتاً لإقناع والدي ومحاولة استرضائه، ولكنه رفض بشدة بدون النظر لأي اعتبارات مهما كانت!
تركت هذه الفترة تأثيرها النفسي على كافة امور حياتي، واصبحت مهموماً وحزين، وقعت في حيرة بين رفض والدي الذي لم اجرؤ على مناقشته فيه، وتساؤلات هيام عن موعد الخطبة.


أخذت الأسئلة تحاصرني كيف سيوافق أبي؟ ومن أين لي بالمال؟ متى اتخرج من الجامعة ؟ متى يأتي اليوم الذي أتقدم فيه لهيام رسمياً، كما يفعل الناس وأنا محاط بالاقارب والأصدقاء والضحك والفرح يملآن وجهي؟؟
خرجت لأحد المقاهي للقاء الشباب كعادتي؛ لعلي أُسري عن نفسي، كنت بينهم صامتاً بسبب انشغالي بخطبة هيام ورفض والدي، وكان بينهم بالصدفة شاب غريب أحسست أني اعرفه، كان من أقارب صديقي قادماً من مدينة بعيدة؛ لتخليص معاملات رسمية لوالده حسب روايته..
اقترب مني ذلك الشاب وباغتني بالسؤال: كم نصف الألف يانادر؟
أجبته وانا مستغرب من أسلوبه وتطفله: خمسمائة!! ..
قال: مابك؟ .. قاسمني همك..
قال أحد الأصدقاء ساخراً: إنه الحب! قاهر اللّذات..
وقال آخر متهكماً: انفصل نادر وعمران بعد قصة حب ناااار …
وانفجر الجميع بالضحك ومن بينهم أنا.. وقلت: صحيح أين عمران؟ لقد أختفى منذ فترة وغاب عن لقاءاتنا، و بينما كان ذلك الشاب الغريب يحدّق في وجهي، والإبتسامة الصفراء تعلو وجهه فاجأني وقال لي: عنما كنت طالبا في الثانوية العامة أردت شراء سيارة، وكانت غالية الثمن آنذاك وقوبلت برفض قاطع من والدي؛ فما كان مني إلا أن اخبرته أنني لن أكمل دراستي، وتغيبت فعلاً عن أول يوم في اختبارات الثانوية العامة، ماجعله يشتري لي السيارة في اليوم التالي..
ولم أقف عند هذا الحد فقط؛ بل أنني عندما طلبت من اهلي الزواج في نفس العام وذلك من فتاة كانت صديقتي، رفض أيضاً توجهت للفور لأقرب مكتبة وأشتريت كتب وأشرطة جهادية؛ وأحضرت بعض من ملابس الافغان، وجدتها في متجر قريب في البلد وأصبحت أتجول في المنزل مرتدياً إياها، وحاملاً بعض تلك الكتب وأصوات شيوخ الفتنة؛ تصدر عالياً من مسجل كان بغرفتي، ولم يمضِ شهر إلا وأنا في قفص الزواج الذهبي.
وتعالت الضحكات وملأنا الإستغراب والدهشة؛ من دهاء هذا الشاب ومكره، وقلت له: لا شك أنك أحد تلامذة إبليس .. على فكرة .. لم اعرف اسمك؟!
قال وهو يضحك: سميني ماشئت؛ حتى لو أحببت أن أكون هاروت فلامانع لدي! وقام وودعنا وغادر سريعاً.. أدركت وقتها المقولة التي تقول (إن كان له حيلة فليحتال) ويجب أن أستغل نقاط ضعف والدي؛ حتى أفوز بحبيبة القلب وزوجة المستقبل..


لم يكن والدي شخصا عادياً ولم يكن يشبه الآباء في المسلسلات الكارتونية؛ ذلك الاب الهاديء الحنون الذي يمطرني بالقبلات والاحضان والهدايا، كان اباً قاسياً بكل ماتحمله الكلمة من معنى، وكانت تلك القسوة قناعا ًيخفي خلفه ضعفاً وانكساراً، كانت تلك الاقنعة سمة مجتمع يتم توريثها! كما ورثها أبي عن جدي، لكن أبي أضاف لذلك الموروث الصوت العالي والنظرات الحادة شزراً ..


ما أغبى ذلك المجتمع الذي تعود على صناعة المزيفين جيلاً بعد جيل.. كان أبي رجل دولة وأحد ضباط الأمن فيها يحسب حساب لكل كلمة، ولايعطي إجابات مباشرة وإنّ أجاب غالباَ ما تكون بكلمة لا! عرفت أن أكبر مخاوف والدي تكمن في سمعته، وأن يعايره أحد بالتقصير في تربية أبنائه؛ ومن هنا برزت شمس خطتي ..

يتبع ،،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.