القصة

هاروت – الجزء السادس

             

             

نزار الجفري

كان أبي يقبض على كبار تجار المخدرات، ويقوم بالتحقيق معهم، تقريباً كان بالنسبة لنا الأب الذي يعرف كل شاردة وواردة؛ وفكرة أن أحد أبنائه يسلك باباً في الجهة المعاكسة له قد تقتله عالفور..

اعددت خطة محكمة تبدأ بعدم مشاركتهم الطعام ابداً، والإنعزال في غرفتي وتعمد إظهار الشرود الذهني، والضحك الغير مبرر والمطالبة بمبالغ مالية كبيرة وبشكل مستمر؛ وهذا بعض ما كنت قد قرأته عن علامات الإدمان، في بعض كتب والدي التي تهتم بموضوعات الإدمان والمدمنين..

بالطبع تنبه والدي بسرعة ويقظة رجل الأمن؛ في فترة قصيرة لم تتيح لي فترة التمثيل لمدة طويلة!!  وخضعت للتهديد ثم الضرب والفحوصات المنزلية ثم المخبرية ، وصادر والدي سيارتي وهاتفي وأنا صامد مذكراً نفسي بتلك الحكمة (إنما النصر صبر ساعة)..

وفي أحد الليالي .. جائني والدي بمفرده حزيناً مكسوراً، مثل جندي مهزوم تركه رفاقه في أحد ميادين الحرب، تطفو على سطح عينيه نظرات الخيبة. أغلق الباب وقال لي: ماذا تريد؟

اجبته: الزواج بالفتاة التي اختارها قلبي..

صاح قائلاً: لماذا تفعل هذا بي؟  “لقد عملت كل ما استطيع من أجلك، لم ابخل على تعليمك وصحتك أنت وكل أخوتك، أمّنت لك كل الحماية وربيتك على افضل نحو … لماذا تريد أن تلوث سمعة هذه الأسرة بهذا الشكل؟ لماذا لاتواصل دراستك، وتنسى هذه العينة القذرة؛ من الفتيات؛ التي تعيش على احلام أوهام غبيه تسمى الحب؟

الاتدرك الفرق الكبير في النسب والمكانة الاجتماعية؟ اضمن لي مواصلة دراستك وانا سوف أقوم بالخطبة لك من أرقى البيوت، وسأ تكفل بتكاليف زواجك واطفالك أيضاً!! …. قاطعته وأنا أحاول أن أحتفظ بالهدوء والسكينة؛ على الرغم من أن كل خلايا جسمي ترجف خوفاً منه

قلت له: امّا هذه البنت أو لتذهب حياتي دونها..

وقف والدي والدموع تملأ عينيه وقال: تذكر ماسأقوله لك الآن جيداً.. ستندم أشد الندم وعندها لن تجدني لتتوب ..حدد مع والدتك موعد الزيارة للخطبة، واخبرهم بقدومنا. خرج والدي من الغرفة، وتنفست الصعداء وانا مبتهج بنجاح خطتي وتحرري من سجن والدي؛ الذي لأول مرة أراه على حقيقته!!  … كم هو ضعيف؟؟  شخصية مزيفة خُدعنا بها لسنوات طوال..

هرعت للهاتف اردتُ أن اشارك هيام نشوة النصروبشارة الفرح، كانت الساعة الثانية صباحا.ً. اتصلت أكثر من مرة ولم ترد!! كررت المحاولة مرة واثنتين و خمسين؛ حتى سمعت صوت هيام تتكلم وهي نائمة.. قلت لها أحبك جداً وأحب كل مايحبك وتحبينه.. هل تسمعيني؟ لم افهم كلامها!..  قلت في نفسي: “لايهم!  المهم ان اشاركها كل لحظة فرح وسعادة اشعر بها..لم اتمكن من النوم تلك الليلة من شدة فرحتي وكثرة التفكيرفي خطط الخطبة والزواج وكل ما يتعلق بأهم لحظات العمر..

انقضت الايام سريعاً.. وماهي اإلاّ ساعات، وأتوجه مع والدي وكل اُسرتي؛ لخطبة فتاة أحلامي .. لا اعرف كيف كان شعوري حينها؛ مزيجاً بين الفرح الغامر والخوف من حياة جديدة اكبر من حجمي!!

كانت أسرة هيام باهتة المنظر وأحسست أنّ سعادتهم مُتصنعة؛ وربما لم يُحبوني! لكنني كنت أحاول إقناع نفسي أن هذا الشعور سببه التوتر .. نعم هو التوتر بلاشك.. تمت الخطوبة وانهالت التبريكات من عائلتي؛ وكذلك التعليقات الجميلة والساخرة ايضاً، ولكن كل ذلك لم يُهمني .. الآن .. أريد فقط أنّ أكلم هيّام الزوجة .. نعم هيّام الزوجة والحبيبة..

قمت بالإتصال بهيّام وجدتها تبكي واستغربت من بكائها؛ قلت بيني وبين نفسي “لعلها دموع الفرح؛ عادةً تبكي البنات من شدة التأثر والفرح في مثل هذه اللحظات”!.. مسكينة هيام! إنها تبكي في اجمل لحظات حياتنا.. أخبرتها برغبتي في زيارتها في  بيت اهلها في الغد وحيداً؛  ليتسنى لي التعرف إلى عائلتها وأحظى بمحادثتها والتعرف اليها بشكل أكبر، رحبت هيّام بذلك ولكن بتردد ظاهر..

كانت زيارتي في اليوم التالي لمنزلهم أشبه بمراسم عزاء؛ ينقصها طقوس دفن ميت!  كان البيت متشحاً بالسواد .. انتظرت طويلاً وأنا جالس على أحد كراسي الصالون وحيداً؛ أي عابر يدخل لتبادل اطراف الكلام !.. جاءت أم هيام وهي متجهمة الوجه وكذلك اخت هيّام الوحيدة؛  التي تكبرها بـ10 سنوات، أما عن والد هيام فقد أخبروني حينها أنه يتلقى العلاج الطبيعي في أحد المستشفيات البعيدة..

سلمت على الأم التي تُعد الآن أم ثانية بالنسبة لي؛ أخذت استرسل في الكلام؛ محاولاً تغييّر المشهد الصامت الرّهيب الذي أعيشه وبدأ يسبب حرجاً لكل الموجودين!.. لاحظت ان أُم هيّام لم تكن تُصغي لي بإهتمام، وكانت تنقل نظرتها الحادة بين ابنتيها  ثم تختم تلك الدورة الكئيبة من النظرات وقوفاً حاداً عندي!!

شعرت برغبة في المغادرة؛ وطلبت ذلك فعلاً .. لكن ما فاجأني أن لا أحد حاول أن يثنيني عن ذلك؛ ولو من باب المجاملة؛ لإنتظار طعام العشاء أو ماشابه! لكنني كالعادة وجدت المبرر المناسب “لابد أنهم مشغولين، وربما استعجلت بطلب هذة الزيارة”؛ بعد عودتي للمنزل تحدثت إلى هيام عبر الهاتف، وأخبرتها عن حقيقة ماشعرت به في منزلهم؛

أرجعت ذلك لإنشغالهم جميعاً بمرض والدها، وطلبت مني امراً استغربته قالت: “الأفضل أن نلتقي في المنزل ليلاً بعد أن ينام الجميع”..

أجبتها: لعلك تمزحين؟

قالت انت زوجي..  ما بك؟؟ تأتي اي وقت تشاء..

قلت لها: هذه خطوبة فقط؛ لم يتم حتى عقد قران لنا؟

أجابتني: قد عقدته في قلبي لك إيجاباً وقبولاً.. اشعرتني كلماتها الأخيرة بالإطراء وفرح جعلني احلق عالياً.. كما أحسستم بها وأنتم تقرأونها..

قلت لها: صدقيني لم أجروء يوماً على مثل هذا التصرف قبل أن أعرفك، واخاف أن يفتضح أمرنا .. وتكون النتيجة ألاّ احظى برؤيتك ابداً ياحبيبتي..

حاولت جاهداً أنّ اُثنيها عن تلك الفكرة المجنونة، ولكنّها غضبت وقالت: أنت لاتحبني! اجبتها: أنا اعبدك حرفيّاً

صاحت وقالت: مجنون أستغفر الله؟!

أخبرتها بأنني في الحقيقة لا أرى سواها؛ بل حتى أنّي لا شعر بنفسي في قربها؛ لأنني  أفنى عن كل شي دونها..

قالت: اثبت ما تقول وتعال غداً.. سأهاتفك بعد منتصف الليل.. واغلقت الخط.

في اليوم التالي كان السماء تمطر وترعد بشدة، وكنت قد وصلت لمنزل هيذام في ساعة متأخرة، وكنت أراجع في نفسي الخطة التي رسمتها هيّام؛ والتي تقتضي الدخول للمصعد واختيار الطابق الذي يعلو الطابق الذي تسكن فيه عائلتها، ثم أبقى بجانب الدرج الذي يؤدي نزولاً للطابق الذي تسكن فيه  وانتظر اشارة منها.

لا اُنكر أنّي كنت مشوش العقل والحواس؛ وانتابني شعور بالخطر الكبير المحدّق بي! إلا أن قلبي ومشاعري نحو هيّام كانت تقودني لتنفيذ كل ما تقوله، مهما بدا جنوناً ..كان همي الأكبر هو أنّ أحظى بالوقت الكافي للجلوس إلى هيّام ومحادثتها والنظر إلى وجهها الجميل؛ وربما  بكل مايدور في ذهن من يقرا كلامي الان..بقدر ما يسمح لي الوقت.

فجأة همست هيام بصوت منخفض اتبعني وادخلتني بسرعة الى صالون بيتهم واغلقت الابواب ..

يتبع ،،،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.