القصة

هاروت – الجزء الأخير

نزار الجفري

قال: نعم كالعادة دوماً..

قلت: عادة ماذا؟

قال: عادتكم أيها البشر.. يامعشر الاغبياء… لم تتركوا سراباً إلا وركضتم خلفه !!..تحيط بكم جميع ملذات الحياة؛ ولكنكم دوماً تسعون خلف غاية واحدة فقط المرأة.. المرأة ياعزيزي أشد خطراً منّا نحن معشر الجن، أما قرأت كتاب ربك حين وصف كيدنا بالضعف ووصف كيدهنّ بالعظمة؟

أما سمعت عن حواء وكيف أخرجت أبوكم من الجنة؟ وكيف أغوت أمرأة العزيز نبي الله يوسف؟ وكذلك نبي الله لوط؟ كم من نكبات وحروب خاضتها البشرية بسبب النساء؟!! عالمنا السفلي كل زبائنه من النساء،

لم تترك المرأة باباً للسحر والاذى الشيطاني إلا  واستخدمته؛ بسبب الحسد والغيرة؛ لتُرضي نفسها، كان من الأجدر بك أن تسحقهنّ بحذاءك وتنتقم لكل البشرية أيها الغبي!!.. قلت وأنا منحني الرأس: ولكني أحببتها..

ضحك هاروت بصوتٍ عالٍ وقال: أحببتها؟

الحب أيها الغبي فخ كبير نصبته النساء للرجال؛ ليستعبدوا قلوبكم ويقتاتوا على مشاعركم ؟؟ الحب ليس إلا مخدر؛ يعطى للفريسة حتى لاتشعر بوجع التهامها.. وهمٌ كبير ينتهي سريعاً؛ لتجد نفسك قتيلا على قارعة الطريق..

النساء أشبه ما يكونوا بمصاصين الدماء، يقتاتون على مشاعرك واهتمامك وصحتك وأموالك؛ بلامقابل.. هل تسمعني بلا مقابل … ويتركون لك بعضاً من البقشيش على هيئة قبلة او كلمة جميلة، أو علاقة هشة لاتدوم متعتها اكثر من دقائق فقط..

قلت: صحيح.. لقد صدقت.. أنا الآن جاهز لأفي بوعدي الذي قطعته لك.

قال: كيف تريد أن تكون نهايتك؟

قلت: أرجوك ياهاروت .. لقد تعبت في هذه الحياة كثيراً .. أجعل نهايتها هادئة جداً لم اعد أحتمل ..

قال: لك ذلك.

 وأعطاني حقيبة صغير بها أصناف من االحبوب؛ مختلفة الألوان والأشكال، وقال: تناولها دفعة واحدة .. ولنا لقاء أخر …الوداع يا نادر.

توجهت لأحد الفنادق القريبة من البحر، وأخذت جناحاً له إطلالة بحرية اختم بها حياتي .. كانت المنظر جميل، جلست طويلاً أمام البحر، وفي داخلي يقين مودع  اتأمل هذه الأمواج بصوتها الهادر،واتنشق هذا الهواء السرمدي للمرة الاخيرة، عادت بي الذكريات للماضي؛ عنما كنت طفلاً بريئاً، لا يعنيني سوى اللعب واللهوأمام الشاطيء  برفقة والدتي ووالدي، أكبر همومي كانت لا تخرج عن فقدان طائرتي الشراعية الملونة، كنت نقياً جدا ًولكنّ الحياة لوثتني..

استلقيت على السريرواخذت تلك الحقيبة، وجهّزت كأساً من الماء، وبدأت بتناول تلك الأقراص الواحد تلو الاخر، وكل قرصٍ منهم بمثابة الرصاصة؛ التي اخترقت جسد محارب، وقف على آخر حصون المدينة قبل سقوطها.. بعد أن فرغت من تناول الأقراص بدقائق، شعرت بإرتعاش في جسمي، وبرودة رهيبة من اسفل قدمي اصعد سريعاً؛ حتى استقرت في رأسي .. وبدأت أتصبب عرقاً..

حانت لحظة الوداع .. إنه الموت أيها السادة .. نعم إنه الموت .. ذلك الظلام السحيق والصمت الرهيب .. لا أضواء .. ولا أصوات .. مات الشعور والإحساس ..سأظل حبيس هذا الوادي .. وادي الموت حتى يوم الحساب .. وسأظل أبكي على نفسي واسأل الله أن يسامحني ويغفر لي لأنني في الحقيقة ضعيف ولاحيلة لي..

اصبحت الآن شبحاً هائماً في هذه الظلمات، خائفاً وحيداً، أتجول ببصري الذي تساوت لديه جميع الاتجاهات؛ لعلي أجد أحداً ممن سبقوني للموت، استأنس بالحديث معه؛ ولكن تذكرت أني أخترت الانتحار!! .. إذن مكاني ليس معهم! .. لأن نهايتنا مختلفة.

بكيت بلا دموع وبلا صوت، كان بكاءً روحياً لايقدر على وصفه الا أبناء الموت؛ لايشغلني الآن سوى؛ عفو الله وكلي ثقة بأنه سيسامحني.. فجأة احسست بيدً تقترب مني، وتهزّني .. صحت: من هنا؟  .. أنا لا استطيع أن ارى شيئاً .. اجبني أرجوك!! واصلت تلك اليد هزّي بقوة؛  حتى سمعت صوتاً  اعرفه جيداً  

قالت: نادر!  ماهذا؟؟  لقد غلبك النوم ونسيت طلباتنا؟

في تلك اللحظة بدأ الضوء يتسلل شيئاً فشيئاً، والصوت يتعالى: نادر استيقظ  .. لابد وأنّ فرن البيتزا قد اغلق بسببك!

افقت من ذلك الظلام؛ ووجدت نفسي على سريري، في بيتي؛ وزوجتي كعادتها تصيح وتتذمر لأنني نسيت إحضار طلبات اجتماع الجارات في الصالة؛ اللواتي بدأنّ يتضورن جوعا.. ولكن هذا يعني أنني حيّ أُرزق!! .. نعم .. أنا حيّ لقد استجاب الله دعائي .. إنها فرصتي الثانية للحياة .. الحمد لله انا حيّ .. ما أجمل تذمرك يازوجتي العزيزة؛ بل ما أجملك أنتي ايضا.

وقفت واحتضنت زوجتي بقوة وانا اصرخ مردداً: انا حيّ ..

نظرت زوجتي اليّ يإستغراب، وقالت: نادر.. هل انت مريض؟ هل تريد الذهاب للمستشفى؟ انت لست طبيعي! .. اخبرتها أنني بألف خير؛ قلت لها: لا تقلقي، مجرد كابوس افزعني، أنا ذاهب لإحضار افضل أنواع العشاء لكم ..

خرجت من المنزل وأنا اشعر بفرح شديد، وانا أرى كل هذه الأضواء والسيارات التي تملأ الطريق، والناس،  هذه هي الحياة التي أعرفها .. حياتنا مجرد فرصة اخيرة .. نعم .. إنها فرصتنا الوحيدة لنستمتع بها ونعيشها بكل عيوبها وحسناتها ..

ظللت أبحث عن افضل المطاعم؛ مهما كلفني الأمر؛ لن أتذمر بعد الآن من زوجتي وأولادي ومتطلباتهم التي لا تنتهي!!  سأُعيد بناء أسرتي؛ وانتبه جيداً لصحتي .. وسأهتم أكثر بنادر الذي اعرفه؛ حتى يتسنى لي الإهتمام بأسرتي؛ اماني بعد الله سأحيا وأموت بينهم..

اخيراً .. وجدت مطعماً لازال يعمل؛ لأن اغلب مطاعم البيتزا؛ قد اغلقت بسبب تأخر الوقت، وعند دخولي للمطعم وجدته خالياً؛ إلا من فتاة  فائقة الجمال تقف عند الكاشير، كانت تُهم بإغلاق المكان؛ استغربت قبولها لهذا العمل، والبقاء فيه حتى هذا الوقت!!

سالتها إن كان بالإمكان أن أطلب في هذا الوقت المتأخر،  نظرت إليّ بإبتسامة ساحرة اعرفها جيداً وقالت: من أجلك سوف أُعيد فتح المطعم..

قلت لها:  شكراً .. لا أريد.

تعجبت الفتاة وقالت: لماذا ؟

قلت: لأن تكلفة البيتزا، ستكون غالية جداً هذه المرة.

قالت: بما إنك الزبون الأخير؛ ستكون البيتزا مجانية لك.

ابتسمت، وقلت لها:  لن نأكل البيتزا بعد اليوم، وغادرت المكان سريعاً….

النهاية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.