القصة

وجوه – المشهد الأول – هديل الحمام

أميمة الفردان

لم يكن ليرضيها تصوير المشهد الأول ولا حتى الأخير؛ الا أن وقوفها المتكرر في نفس المكان ونفس الصباحات التي تتابعت عليها؛ منذ اللقاء الأول؛ جعلتها أسيرة المكان والزمان وربما الأحداث والشخوص الذين توالدوا بسرعة رهيبة، ليرسموا خطوطاً متسقة بإتساق سيرهم الطبيعي نحو اقدارٍ محتومة؛ ومتعرجة في غالب الأحيان بتعرج مساراتهم وتقاطعها مع رغباتهم.

على الرغم من رتابة المشهد واعتيادها له الا ان أحادية اللون للمكان الذي لم يخرج عن المألوف في بيئة يتسيد فيها الأصفر الزمان والمكان؛ الا من زرقة فسيحة تعلو الكون وتحتل جزءً منه، خلق لديها مساحة شاسعة للتسكع في محراب خيالاتها اللانهائية. اعتادت أن تستيقظ منها على صوت هديل الحمام وهو يحط على ارض السطح المتكسرة حجارته؛ لإلتقاط بعض الحب التي كانت حريصةً على نثره له.

في ذلك الصباح احست شعاع الشمس المتسللة نحو عينيها، ثاقبة سحب الظلام الأسود المتراكم فوق أجفانها. لم يكن السواد سوى واحدة من غزواتها التي تفتتح بها معركتها الصباحية مع الألوان من على سطح المنزل، منذ ان اتخذته مستقراً لها؛ خلال أعوامها الثلاث الماضية. بالكاد فتحت عينيها ليحل اليقين موطن الشك، ذلك هو السواد الذي تقصد؛ بل هو ما رأته حقاً؛ لم يكن حلماً!

ها هو ذا أمامها يغطي التابلوه بالكامل. بالأمس كانت مجرد نقطة سوداء؛ تتذكرها تماماً هي من وضعهتا وخطهتا بفرشاتها قبل ان يدركها النعاس؛ تحاول ان تتذكر! لكن عبثاً هل هي من غطت اللوح الأبيض بالسواد الكامل؟؟ أي لوحة ترسم ؟ وايُ معنىً يمكن ان يخلقه هذا السواد؟  توقفت للحظات أمام الركام الأسود؛ ما عساها تصنع بها؟ هل تتركها كما هي وتعتبرها نوعاً من الفن الحديث؟! مالذي يمنع ان تكون لوحة لونية خالصة؟

هراء هذا الفن العبثي ليس سوى خربشات.! كان ذلك دوما اعتقادها؛ وأمسى اليوم عقيدتها التي تحيا من اجلها؛ كل شيء في حياتها مختلف ؛ لم تعد تلك الأشياء مألوفة، الأماكن الشوارع الأحياء والأزقة الضيقة التي كانت ترتادها لم يعد هناك حتى الأشياء التي كانت تزين بها امها اركان البيت وتحرص على وضعها بإتقان،  لم تعد موجودة الآن. حلت مكانها مقتنيات جديدة؛ ربما تكون جميلة؛ وعلى الأرجح هي كذلك؛  الا ان شيئاً ما ينقصها؛ شيئاً يعطيها المعنى الحقيقي لوجودها؛ كرائحة امها! وتهشيم اباها!…….. 

ربما هذه الأشياء لا تعني شيئاً وطالما هي لا تسبب لها الإزعاج فلن تحركها؛ في جولتها الصباحية التي لا تحرك فيها ساكناً من جسدها؛ وتكتفي ببصرها الجائل حول المكان والأشياء، ومكتفيةً بأقصى متعة يمكنها الحصول عليها في وضعها الحالي فنجان القهوة التي لم تنتبه يوماً إلى سوادها؛ بالرغم من المذاق شديد المرارة.!  فجأةً  تذكرت المعرض الذي قررت إقامته؛  بعد ان توقف نظرها على كم اللوحات المتراكم.

كانت الشمس قد اشتدت حراراتها؛ عندما قررت النزول للطابقين السفليين؛ بعد ان اصبحا شبه مهجورين؛ إلا من وقع خطواتها الصباحية، التي تُعيد للمكان شيئاً من ضجيج قديم، يتداعى في حنايا الذاكرة، ذاكرتها التي بدأ يعلوها الصدأ.

نزلت درجات السلم واتجهت للمطبخ العابق برائحة أمها، جالت ببصرها واستقرت عيناها عليها، كانت تقف امام الموقد والتفتت اليها؛ لتستقبلها بإبتسامة تملأ وجهها، طبعت قبلة على جبينها، وهي منهمكة في اعداد الفطور رائحة البيض المقلي بالسمن تملأ المكان فيما ينذر قدر الحليب بكارثة قبل أن تمد يديها لتطفأ الغاز، أثناء ذلك بدأت تتحدث إلى أمها بكلمات مقتضبة ليست اكثر من أسئلة وأجوبة تقليدية هي بمثابة تمارين صباحية للحبال الصوتية التي يتم استهلاكها في البيت على مدار اليوم، أثناء تحضيرها لبراد الشاهي المملوء بأوراق النعناع المنعش.

يتبع ،،،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.